راجعه : محمد ضمرة - لا شك ان الكتابة للاطفال من الامور الصعبة والشاقة، وهي تتطلب دراية بما يفكر به هؤلاء الاطفال، وما يصلح لهم من حيث تقديم مفاهيم جديدة عن الكون والانسان والحياة، هذه المفاهيم المنطلقة طبعا من مبادئ وافكار تمكنهم من ادراك كثير من الاسرار التي تواجهها عقولهم، على شكل اسئلة تقض مضاجعهم، وتثير امامهم اشكاليات معقدة وكثيرا ما يلجأ بعضهم الى طرح هذه الاسئلة على المقربين منهم ابتداء من الوالدين والاسرة، والدوائر المقربة التي تتحكاك معهم يوميا وقد يجدون اجابات خاطئة، او سريعة، لا تلبي نداءات ملحة، واسئلة متحفزة عن كل ما يحيط بهم، او قد يخطر على عقولهم ومداركهم.
وكل كاتب للاطفال قد مرّ في حياته الطفولية بهذه الحالات، وتلك الخواطر، النابعة من اسئلة مثيرة، وكل كاتب قد شعر في طفولته بما احبه وما كرهه من صور ومفردات، وقصص خيالية وصور شعرية ظلت محفورة في الذاكرة تمتع من حفظها، ويرددها بينه وبين نفسه، وربما على اطفاله من بعد.
ولهذا فاني ارى ان الكاتب الذي تخصص في هذا النوع الصعب من الكتابة، لا يكتب الا بعد ان يفتح خزانة ذاكرتهن ليرى صور الحب والكراهية، والصور الجاذبة، والمنفرة، اضافة الى التجارب الطفولية الاخرى التي قد سمع عنها من الآخرين.
أسوق ما ذكرته، بعد ان قرأت مجموعة شعرية جديدة بعنوان من شرق الموج الابيض للشاعر محمد سمير جعارة، ومع انه قد كتب الكثير من الشعر للاطفال الا انه شاعر مجيد بشكل عام، وما يهمنا هنا مجموعته الشعرية التي أشرت لها، والتي اشتملت على خمس عشرة قصيدة، اضافة الى مدخل لهذه القصائد، فجاءت في اثنتين وثلاثين صفحة من القطع الكبير.
ومع ان العنوان جاء بمفردات اربع، الا انه قد حمل الاشارة الى تعيين المكان، وربما قصد بذلك تحديد المكان الذي كتبت فيه القصائد، او العكس من ذلك وهو المكان الذي كتبت لأجله هذه القصائد.
ولهذا فقد آثر الشاعر ان يقدم لقصائده بمدخل دال على الحاجة التي يتطلع لها الاطفال في هذا المكان، هذه الحاجة المتمثلة في كراهيتهم للحروب وما تخلفه من دمار وقلق واعاقات لمسيرة الطفولة العابقة بالحلم لبناء مستقبل جميل، ولم يكتف الشاعر بهذا المدخل، فقد ذهب مباشرة الى نص مفتوح على هذه المعاني، حيث أطلق على قصيدة من قصائد المجموعة بنداد حار لايقاف هذه الحروب اوقفوا كل الحروب.
والنداء او الطلب الذي لوح به الاطفال في هذه القصيدة هو طلب عام من الجميع، ولكن تأثيره أكبر حينما يكون من الاطفال الصغار الذين يتطلعون الى الحياة ومباهجها وافراحها وليس الى الحزن والالم والفقد، كما هو حال هذه المنطقة التي ابتليت بحروب كثيرة، وضاع فيها الحق، والحب، وانزرعت بالحقد والكراهية والضغينة.
كذلك اذا ما تصفحنا بقية القصائد، فاننا نجدها تدور في هذا المجال بصور متعددة ومتنوعة، فهناك قصيدة اطفال النور، وهيا يا نوار، ولن ابكي، وصوت المحبة، وغيرها من القصائد الاخرى التي ترسم امام الطفل الصورة التي يتمناها ويتغنى لها، فهو باحث عن النور الذي يدحر الظلمة والعتمة، وكذلك ينتظر آذار بزهوره ونواره وشذا عطوره.
وهو يبحث عن الابتسامة والضحكة التي تشكل قلبه قبل ان تتشكل على وجهه، ولذلك نرى الشاعر يتكلم في قصيدته الدالة على المستقبل والمعنونة بعنوان لن أبكي، وكأن العنوان يوحي بشيء بعده، يستطيع المتلقي ادراكه في قول غائب مكمل لما قبله، فكأنه اراد القول: لن أبكي بعد اليوم، او بعد هذه المرحلة الصعبة التي انتهت.
وفي صوت المحبة، تشكيل لكل المبادئ والمثل العليا التي يسعى الانسان الى غرسها في النفوس، فالحب هو القائد والمحرك لمسيرة الحياة والعطاء.
واستطيع الخلوص الى ما ابتدأت به، من ان الشاعر يمتلك طاقة ايجابة فاعلة وبناءة، وقد وفق في قصائد هذه المجموعة الموجهة كرسالة صادقة وشفافة، مليئة بالمثل العليا والصور الانسانية الجميلة.